“القضيّة السورية”، إلى أين؟

لقد صرنا “قضيّة”، بعد أن كنّا لاعبين أساسيين في حل قضايا المنطقة كلها. يستمتع العالم حالياً باللعب على أوتار دمائنا، ويكشف عباقرة السياسة والحكم عن زنودهم سعياً لنصرهم فينا وعلينا. سوف يدفع السوريون ثمن كشف بلدهم على اللاعبين الإقليمين والدوليين إلى عشرات السنين اللاحقة. إن إغفال مبدأ “حتمية عدم النصر” لأي طرف كان في الآزمة الحالية من قبل النظام والشعب قد يودي بنا إلى قاع لا قرار له. اقرأ المزيد من هذه التدوينة

موطني.. موطني!

الحسام واليراع.. لا الكلام والنزاع.. رمزنا.. رمزنا..

ماذا لعب أطفال سورية في العيد؟

لم يكن مشهد البنادق البلاستيكية بين أيدي أطفال الحيّ صباح العيد هذه السنة عادياً، لقد لخّص لي مسرحية الوطن اليومية. لقد تجمّع عُمر وعلي وإسماعيل في دوريّة اقتحمت منزل سعيد واحتجزت الأطفال فيه في عملية ناجحة، لكن ما شدّني إلى اللعبة هو طلب عمر، رئيس الدورية، “هويّات” الأطفال المعتقلين كي يتم التدقيق بها فيُؤخذ المُسيء، ويُترك البريء! تساءلت، كيف كسب هؤلاء الأطفال مهارات الاقتحام؟ وما هو شكل الوطن الذي سيبنيه أطفال شهدوا مسرحية سورية اليوم؟

يَعْرف علماء النفس أنّ الأطفال مرآة نقيّة، تعكس ما ترى بوضوح تام، لا يغيّر صورتها مصالح شخصية أو تعصّبات فئوية أو رغبة سلطوية، فإذا ما أردت دراسة الحالة الراهنة لمجتمع ما، يكفيك البحث في حال الأطفال، لأنها أصدق الأحوال. يتعلّم الطفل الياباني مهارات الحاسوب، ويخطط الأوروبي لمهنة مستقبله، بينما يحمل أولاد حيّنا بندقية، إلى أين يسير وطني يا ترى؟

يتأثر أطفال بلدي بما يشهدونه واقعاً أمامهم أو عبر الفضائيات. نرى المشهد معقّداً لكن بصيرتهم تفسّره بسيطاً. يرَون المختلفين إخوة، ونراهم أعداء. يرون البندقية لعبة، ونراها دماء. لا ينطبق قاموسنا على قاموسهم، ولا همّنا على همهم، فلماذا نجني على أنفسنا وعليهم؟ كيف سمحنا للأزمة الحالية أن تغذّي بِذار الوطن بماء الفتنة العَكِرة؟ هل جفّت الآبار التي روت أبطال سورية العِظَام؟ ما أسوأ مستنقعات الكُره والتباغض والقسمة! أيّ ثمر ستقطف سورية بعد ذلك؟

لا يمكننا عزل الأطفال عن أزمتنا، لأن المشهد أمامهم ولا يمكن إخفاؤه، يمكننا أن نريهم براعتنا في حلّ وطني يسير بنا وبهم إلى شاطئ الأمان. يردّ هذا الحل للمظلوم حقه، ويحفظ لكل الشركاء في الوطن كرامتهم، والأهم يُنجي سورية من أسوأ ما هو قادم لا سمح الله.

يحبّ عمر وعلي وإسماعيل البنادق البلاستيكية، لكنّ إيماننا بسورية سيمنع تحوّلهم في السنوات القادمة إلى مُجنّدين في أزمة أوسع، تُستخدم فيها البنادق الآلية بدل البلاستيكية، ولا تُطلب فيها هويّات الناس، ولا يُميّز بين المُسيء والبريء، بل يسيل الدم السوري بدون سبب. لا يظننّ السوريّ أن العزّة سهلة المنال، بل تحتاج إلى الكثير من التضحيات من أبواب الحكمة والتسامح والعدالة والمساواة. فليبادر جميع من تحت سقف سورية إلى بذل هذه التضحيات، عسى أن يرى وطننا الفرج قريباً، ويستعيد أطفالنا صورة الوطن القدوة، بقادته وعلمائه ومفكّريه، فَيَصْطَلِحَ البُرعم وينمو على ما فيه خير سورية العزيزة.

بعبع السياسة، وواجب التعاطي مع الشأن العام

لا يخفي على أحد أننا كنا نتجنّب التعاطي مع الشأن العام متذرّعين في أنّ ذلك من “السياسة” وأن “السياسة” محرّمة إلا على أصحاب القرار وأهل الحل والربط في البلد. هل يصحّ أن يبقى هذا المفهوم نافذاً في ظلّ الأزمة الحالية؟ هل تتحمّل البلاد ابتعاد كثيرٍ من العباد عن الشأن العام و”تطنيشه” بحجّة أن هذا من درء الفتنة؟ أنا أعتقد أن هذا الموقف هو طمر للرأس في التراب؟ من يدري، لعل الأيام القادمة لن تُبقي لا تراباً ولا نعامة؟

تعرّف السياسة بأنها العملية التي يتّخذ فيها مجموعة من الأشخاص قراراً. يتم تداول كلمة السياسة بشكل معروف في الشأن الحكومي، لكن مفهومها الأوسع يشمل اتخاذ القرارات في المجال الأكاديمي والصحي والتعليمي والإجتماعي (1). لا يحصر التعاطي في السياسة على المسؤولين المحليين أو الوطنيين، بل إن من مقاييس تطور الأمم قدرة المواطن غير المسؤول على التأثير على سياسات الحكم.  ليس مطلوباً وطنياً من كلّ الناس، أن تخوض في تفاصيل شؤون التطوير والإصلاح التفصيلية، بل لابدّ لهم أن يناقشوا واقع المجتمع اليوم من ناحية الفتنة الواقعة وطريق الخروج منها. لا بدّ للسهرات اليومية في المنازل أن تجمع العائلة والأقارب على مائدة وطنيّة محرّم عليها كلّ ما يدعو إلى إنهاك الوطن المريض. لا بدّ للأصدقاء والزملاء أن يكون لهم نصيب من النقاش، كل في تخصصه، يطرحون مستقبل القطاع الذي يعملون به، يأخذون مبادرات جدّية تحت سقف الوطن تعمل على تحقيق “الحلم السوريّ” في مجال عملهم. لا بدّ أن يساهم في إعداد مستقبل سورية كل السوريين. لا تنتظروا أن يصل حقكم في المشاركة بسورية إلى داخل سرير نومكم، ليكن لكم شرف البحث عن نصيبكم من العمل. إن أشرف العمل بناء الوطن. لن نكون عالة على سورية، سنشرّفها ونتشرف بها.

سيخرج قائل بأنّ التنظير هذا في محضر الدم السوري الطاهر لا قيمة له، سأقول له، هل لديك حلّ غير العمل؟ هل لديك مخرج غير الوحدة الوطنية؟ هل لديه طريق غير الهدوء والحكمة؟ إن كل الجراحات التي وقعت وتقع يومياً على مساحة سورية ليس لها أن تنال من تصميمنا على إيجابية الطرح الوطني المتعقّل الذي هو الحلّ الوحيد المتاح للنجاة.

لن تكون “سوريّة بخير” إذا كانت أنغام سهراتنا تعزف على وتر التعصّب والاستقطاب الشديد، لن تكون “سورية بخير” إذا طنّشنا الشأن العام أو تعاملنا معه بسلبية، لن تكون “سورية بخير” إلا إذا كانت ألحان التهدئة الجماعية الوطنية طاغية على منتدياتنا، لن تكون “سورية بخير” إلا إذا شاركنا في طرح الشأن العام بجرأة وبإيجابية كي يرفع الله عنا الغُمّة، ولا نُرمى في مزبلة التاريخ، فيأتي بعدنا سوريون يلعنون أنغامنا ويعزفون هم نغم السعادة. سوريّة لن تموت، نحن نموت وحدنا إذا كنا على وتيرة التخاذل، ونعيش معها إذا عرفنا حق الوطن قبل أن نطالب بحقوقنا. اقرأ المزيد من هذه التدوينة

المقدسات والوطن

يجمعنا في سورية كل شيء، ومن هذه الأشياء التي تجمعنا “اختلاف” عقائدنا ومقدساتنا. هنا تكمن قوة سورية. إن الاستقطاب الشديد المصاحب للأزمة الحالية وضع هذا المفهوم على المحكّ. تتظاهر علينا يومياً مشاهد تجعلنا نخاف من فقدان هذه الميّزة التي تقوي بلدنا وتقوّينا في بلدنا. ليس من الصحيح أن نختبأ وراء أصبعتنا الصغيرة. يجب علينا مناقشة الأمر كي نتوصل إلى عهد يُجَنّبنا الاستغراق في الفتنة، فنحافظ على الوطن الذي هو ذاتنا.

يشارك في حركة المعارضة الحالية نشطاء من مختلف التوجّهات، لكن سمتها الطاغية هي الصفة الإسلاميّة بينما تزعم حركة المعارضة أنّ النظام يردّ عليها بأساليب عدائية لصفتها هذه. نشاهد على الفضائيات مشاهد قصف المساجد وإجبار الناس على الكفر ونطق عبارات العبادة للرئيس. يعرض علينا التلفزيون الرسمي مشهد التمثيل بجثث الشبيحة وهم من المجموعات المؤيّدة للنظام مرافقة لعبارات الوعيد بالتنكيل المستمر بهم. إن هذه المشاهد على اختلافها تؤثر على الشارع سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة، وهذا لا شكّ فيه، فهي توقد النار في نفوس الناس من كل المشارب والعقائد.

من هذا المنطلق، لا بدّ لمجموعة من السوريين أن تتوسّط المشهد لتضع حدّاً للأمر، فنهاية هذا الطريق معروفة من قبل جيراننا في الشرق والغرب. تحدّثنا الأبنية المرصوفة بالرصاص القائمة في بيروت إلى يومنا هذا أن نار المقدسات لا تبقي ولا تزر، بينما لا زالت الأخبار العاجلة الواردة من بغداد عن التفجيرات الانتحارية التي هزّت المساجد والبيوت ودمّرت قلوب العراقيين على مسامعنا إلى اليوم.

لا تخلو المجالس اليوم من أحاديث بهذا الشأن، وأغلب الأحاديث نتيجة للاستقطاب الشديد الحاصل غير واعية ولا تدري ما تداعيات الأمر. نحن نرى أنّ وضع بلدنا اليوم يحتّم علينا التصرّف بدءاً من مجالس البيوت إلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي للتصدّي للفتنة قبل أن تشعل وطننا فينا، وهذا رأينا في هذا الشأن:

  • إنكار التعرض لدور العبادة على مساحة الوطن
  • إنكار التعرّض لرجال الدّين الشرفاء بأيّ شكل
  • إنكار استخدام دور العبادة دوراً للفتنة الوطنية
  • إنكار تداول مشاهد التعرض لدور العبادة أو دعوات الكفر ونصح من يتداولها بكتمها تجنباً للفتنة
  • إنكار وصف المعارضة بالإسلامية، ووصف النظام بصفة طائفية
  • إنكار العبارات القادحة الشاتمة لمسؤولي النظام، فالنصح أولى، والشتم باطل لا يؤيده أحد مهما حصل
  • تزكية الروح الوطنية بيننا بمشاركة كل فئة من الوطن الفئات الأخرى بأعيادها ومصائبها وأفراحها
هذا بلاغ لنا كلنا، والحذر من مستقبل أسود إذا ما استمر الاستقطاب على وضعه الحالي، ولم يكن للسوريين أنفسهم دور في وأد الفتنة الحاصلة.

أنا سوري وأرضي عربية

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.